العصف الذهني هو عبارة عن طريقة مبتكرة لحل المشكلات والعقبات التي تقابل الإنسان وذلك بأسلوب جديد غير تقليدي، ويهدف العصف الذهني إلى توليد أكبر عدد من الأفكار والحلول للعقبات ووضع أكبر عدد ممكن الخيارات والخطط الإبداعية مع التداعي الحر لهذه الأفكار كماً وكيفاً.

والعصف الذهني من اسمه مستمد من العاصفة أو الرياح الشديدة تعبيراً عن حل المشكلات والمعضلات التي تقابل الإنسان بطريقة أشبه بالعاصفة في سرعتها وتغير كيفيتها، فعند تعرض المخ البشري لمشكلة معينة يهدف الأسلوب الجديد إلى وضع المخ في جانب والمشكلة المعروضة في جانب آخر ومحاولة البحث عن حلول وطرق جديدة للالتفاف حول المشكلة وحلها بأفضل الطرق وأكثرها ابتكاراً.

متى بدأ ظهور العصف الذهني ؟

بداية ظهور العصف الذهني كان في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى حيث تم إنشاء شركة إعلانات كبيرة هي شركة BBDO وهذه الحروف هي الحروف الأولى من مؤسسي الشركة الأربعة وهم (باتن، بارتون، دورستين، أوزبورن)، واستمر العمل في الشركة وازدهرت أعمالها حتى عام 1939 حيث بدأت الشركة في الانحدار وبدأت الأرباح في الانخفاض، وهنا بدأ ظهور مفهوم العصف الذهني حيث قام أحد مؤسسي الشركة وهو أوزبورن وفي محاولة لإنقاذ الشركة من الإفلاس بتطوير طريقة جديدة للتفكير وتقديم الحلول، وعمل على تشجيع الموظفين والعاملين في الشركة على ابتكار الحلول وتقديم كل ما قد يدور في أذهانهم حتى وإن بدت الحلول غير ممكنة أو جنونية.

قام أوزبورن في عام 1942 بتأليف كتابه الأول عن أسلوب العصف الذهني في التفكير وكان الكتاب بعنوان(How to Think Up)، والذي كان يعد المدخل الأول لهذا الأسلوب الجديد في التفكير، وبالفعل بدأت الشركة في التعافي بفضل الأفكار الجديدة والحلول المبتكرة التي كانت نتاج التعاون بين إدارة الشركة وموظفيها حتى أصبحت الشركة في عام 1951 من أكبر شركات الإعلانات في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد حققت الشركة في ذلك العام أرباحا تقدر بمليون دولار وهو مبلغ خيالي بمقاييس ذلك العصر.

اقرأ أيضاً: مميزات وسلبيات العمل الحر

استراتيجية أوزبورن في حل المشكلات

الاستراتيجية الجديدة في التفكير والتي وضع قواعدها أوزبورن لانتشال الشركة من شبح الإفلاس والخسارة كانت تقوم على تأليف مجموعات كل مجموعة تضم خمسة عشر شخصاً من ذوي الخبرات والمهارات المتفاوتة وتقوم الفكرة على بحث كل مجموعة عن حل مبتكر وجديد لمشكلة من مشاكل الشركة التي تواجهها والتي تسبب انخفاض الأرباح، واشترط أوزبورن في أعضاء كل مجموعة الإلمام الكامل بالمشكلة التي يتعرضون لحلها، بالإضافة إلى حصولهم على تدريب في أسلوب العصف الذهني الذي وضعه في كتابه، كما جعل من في كل مجموعة فرد يعد بمثابة قائد لها يقوم بتنظيم المشاركة والكلام وعرض الأفكار.

وكان من نتيجة هذه الجلسات المبتكرة والتي وصل عددها لأكثر من 400 جلسة أن بلغ عدد الأفكار والحلول المبتكرة للمشاكل التي تواجه الشركة أكثر من 34000 فكرة وحل، ومن بين هذه الآلاف من الأفكار والحلول تم اختيار 2000 فكرة رأت الشركة انها من أكثر الأفكار التي من الممكن تطبيقها والتي ستحقق النجاح للشركة، وقد كان.

تطور مفهوم العصف الذهني

بعد النجاح الذي حققته شركة الإعلانات BBDO في مجال الإعلانات ونجاتها من شبح الإفلاس والإغلاق بسبب هذا الأسلوب الجديد في التفكير وحل المشكلات بدأت الدراسات المستفيضة على هذا الأسلوب.

ففي عام 1958 قامت جامعة ييل ومن خلال أستاذها دونالد تايلور بإجراء العديد من الدراسات على هذا الأسلوب الجديد في التفكير، وقام دونالد تايلور ببحث الفرق بين أسلوب العصف الذهني الجماعي من خلال مجموعة مكونة من عدة أشخاص، وبين الفردي الذي يعتمد على تفكير الشخص بمفرده فقط، وقامت العديد من الدراسات الأخرى عن نفس الموضوع وكان من نتيجة ذلك الخروج بنتيجة أن العصف الذهني الفردي أكثر فائدة وقدرة على توليد الأفكار من العصف الذهني الجماعي.

كذلك أدت الدراسات التي أجريت على نفس الموضوع إلى تغيير الطريقة التي ابتكرها أوزبورن والتي تقوم على الكم وابتكار أكبر عدد من الأفكار والحلول إلى التركيز على الكيف أيضاً ، ومع مرور الوقت ازدادت الدراسات والبحوث العلمية والتي كانت جميعها تعتمد على دراسة أوزبورن التي ابتكرها، فكانت الدراسات تبين الجوانب السلبية أو الإيجابية في بعض النواحي وهو الأمر الذي جعل أسلوب العصف الذهني يحتل مكانة كبيرة كطريقة عالمية في التفكير والإبداع.

وفي عام 1998 قام سكوت إسكسن (  (Scott G. Isaksen ) بإجراء دراسة عن الحلول والأفكار المبتكرة في نيويورك والتي أظهر فيها أن كثير من الدراسات السابقة قامت بإدخال الكثير من التعديلات والتحديثات على القاعدة الأصلية التي وضعها أوزبورن وبين في هذه الدراسة النقص والإضافة في هذه الدراسات مما جعل هذه الأسلوب الجديد في التفكير يحظى بمكانة بارزة في خطط الشركات والمنشآت التسويقية والمالية لحل المشكلات وتجاوز العقبات.

شروط نجاح العصف الذهني

حتى يمكن جني ثمار هذا الأسلوب الجديد في التفكير والحصول على أفكار وحلول مبتكرة للمشاكل والمعوقات فهناك مجموعة من الشروط يجب توافرها لتحقق النجاح في ذلك وهي:

  • تشجيع الأفكار الجديدة والتي قد تبدو في الوهلة الأولى جنونية وغير قابلة للتطبيق.
  • تجنب نقد الأفكار وإصدار الأحكام السلبية التي تتسبب في إحباط المشتركين.
  • البناء على الأفكار السابقة والتي تم التوصل إليها.
  • تركيز التفكير على موضوع معين واحد فقط، وبعد الغنتهاء منه يتم الانتقال إلى موضوع آخر لتجنب التشتت وتضييع الجهد.
  • تحفيز المشتركين على تقديم أكبر عدد ممكن من الأفكار والحلول.
  • الاستعانة بالرسوم البيانية والخرائط التوضيحية للأفكار المعروضة.

أهمية العصف الذهني

  • توسيع الحلول والخيارات المتاحة أمام متخذ القرار.
  • الحصول على أكبر قدر من الأفكار والحلول والتي قد لا يتناسب بعضها لحل المشكلات في الوقت الحالي لكن يمكن الاستفادة منه في المستقبل.
  • تحفيز الأفراد على الإبداع وإطلاق الخيال بلا خوف أو نقد.
  • تدعيم المشاركة الجماعية والتفكير المشترك خاصة في ظل الأسلوب الجماعي في التفكير.
  • سرعة تقديم الحلول .
  • المساعدة في حل المشكلات المعقدة والتي تبدو كأنها ستكون السبب في نهاية الشركة.
  • تحسين العلاقات والاتصال بين أفراد المجموعة وتحقيق التآلف الاجتماعي فيما بينهم.

خطوات تطبيق العصف الذهني

التخطيط للجلسة

أول خطوة من خطوات تطبيق العصف الدهني العمل على التخطيط للجلسة وذلك من حيث تحديد المواضيع التي سيتم بحثها في الاجتماع، وتحديد الأفراد المشاركين في الجلسة والتي من الأفضل أن تكون في حدود أربعة أشخاص أو ستة، وكذلك الإعلام المسبق للمشاركين في الجلسة حتى يستطيعوا التهيؤ للجلسة والاستعداد والتفرغ لها.

اختيار المكان المناسب

من الخطوات الهامة لنجاح الحصول على الأفكار الإبداعية العمل على اختيار المكان المناسب للجلسة والذي يجب أن يكون هادئاً بعيد عن مصادر التشويش والإزعاج، وإغلاق الهواتف المحمولة قبل الاجتماع لتفريغ الذهن ومنع التشتت، وكذلك الاستعداد بتوفير جلسة مريحة للمشاركين وتوفير الأقلام والأدوات التي تساعد على تسجيل الأفكار مع تحديد وقت معين للجلسة مثل نصف ساعة أو ساعة.

الرسوم البيانية

تعد الرسوم البيانية والجداول التوضيحية من أكثر الأساليب التي تساعد على تلخيص الأفكار وعرض المقترحات، لذلك كان من المهم تحديد المشاكل والمواضيع التي يتم البحث عن حلول لها ووضعها في جداول ورسوم بيانية لها وللحلول المقترحة، وكم من الحلول والأفكار حصل على تأييد عدد أكبر من المشاركين وكم منها لم يحظ بالتأييد الكامل، ويتم إدراج جميع الأفكار في هذه الرسوم سواء التي لها شعبية أو التي يرى المشاركين عدم اهميتها.

مناقشة المشكلة من جميع الجوانب

يتم البدء في مناقشة المشكلة من جميع نواحيها ويتم عرض الأفكار والحلول المقترحة لحلها من قِبل المشاركين، ويتم اختيار الأفكار الأكثر قبولاً للمناقشة أولاً ثم الأقل أهمية مع الحرص على إشراك جميع الأشخاص والحضور في إبداء الرأي، وبعدها يتم وضع جدول لمزايا وعيوب كل فكرة ومدى إمكانية تحقيقها على أرض الواقع.

التركيز على الأولويات

وذلك من خلال وضعها في مكان متقدم من الجدول التوضيحي الذي تم إعداده أو الرسم البياني للتوضيح.

أخذ استراحة للمشاركين

من الخطوات التي تساعد في زيادة الإبداع والقدرة على ابتكار الأفكار العمل على الحصول على استراحة قصيرة من أجل استعادة النشاط وتصفية الذهن وتجديد الطاقة، وفيها يتم تناول بعض المشروبات المحببة أو الدردشة بين المشاركين في مواضيع مختلفة عن موضوع الجلسة.

الوصول إلى الحل

بعد الوصول لأكبر عدد من الأفكار والحلول المقترحة يتم تصفية هذه الحلول ونقد العديد منها وتأخير الأفكار والحلول غير الممكنة في الوقت الحالي ثم يتم ترتيب هذه الحلول في شكل منظم وتقديمها لمتخذ القرارات في الشركة.

الأساليب المستخدمة في العصف الذهني

عند استخدام أسلوب العصف الذهني في التفكير وحل المشكلات فمن المهم الاستعانة بمجموعة من التقنيات والأساليب التي تسهل عملية التوصل لحل مناسب واتخاذ القرار الصحيح ومن هذه التقنيات:

الكتابة: تعد الكتابة الحرة أحد التقنيات المستخدمة في الحصول على أكبر قدر من الأفكار والأطروحات فمن خلال الكتابة بشكل مستمر خاصة في ظل تحديد وقت معين يتم بعد التوقف عن الكتابة يتم الحصول على أكبر عدد وكم من الأفكار والمقترحات حتى وإن كان بعضها غير مفهوم فبعد الكتابة يتم تصفية ما تم كتابته.

وجهات النظر: في هذا الأسلوب من أساليب التفكير يتم النظر إلى المشكلات والحلول من جميع الجوانب مع إبداء وجهات النظر والرأي في كل منها وذلك حسب رؤية كل مشارك ونظرته للمشكلة من جانب معين وهو الأمر الذي يساعد في إثراء المناقشة وزيادة الاقتراحات.

القوائم: تقوم هذه الفكرة على وضع الأفكار والحلول التي توصل إليها الفريق المشارك في جانب من الصفحة، وعلى الجانب الآخر يتم وضع نقد هذه الأفكار والملاحضات التي تبين اوجه النقص فيها، وبالتالي فهذا يساعد تحديد الأفكار الجيدة وجعلها أولوية وتأخير الأفكار الصعبة التحقيق ووضعها في ترتيب متأخر من المناقشة.

التقسيم: وفيها يتم تقسيم الموضوع الذي يتم البحث فيه إلى أجزاء فرعية أخرى رئيسية، كما يتم تقسيم الأفكار والحلول هي الأخرى إلى نفس التقسيم ويتم الربط بين هذه الأجزاء الرئيسية والفرعية.

الأسئلة القصيرة: من التقنيات التي تساعد في نجاح أسلوب العصف الذهني التركيز على الأسئلة القصيرة والتي يمكن تسميها بالأسئلة الصحفية التي تعتمد في غالب صياغتها على السؤال بمتى، وأين ، وكيف وهل، وهذه الصيغة في الأسئلة تساعد في التركيز على المشكلة وسرعة الحصول على حلول لها.

مصادر المعرفة: من أجل الوصول لأكبر عدد من الأفكار والحلول المناسبة فمن المهم أن يكون هناك اتصال بمصادر المعرفة والتثقيف والتي تساعد على إضافة بعد جديد للمناقشة وتساعد على توليد الأفكار والأساليب العملية لحل المشكلات، ومن مصادر المعرفة الإنترنت والكتب الرقمية والمطبوعة أو القواميس والموسوعات.

نماذج من أسئلة العصف الذهني

أسئلة التركيز والملاحظة

يعتمد هذا الأسلوب في الأسئلة على استخراج ما شد انتباه المشارك في موضوع معين وبيان الملاحظات التي تهمه فيه ومن أمثلة هذه الأسئلة مثلاً هل لاحظتم أمر معين في موضوع كذا؟ أو ما هو الهدف الذي ترغبون في الوصول إليه؟.

أسئلة التفكير والعمق

وتهدف هذه النوعية من الأسئلة إلى تحفيز العقل الباطن للمشارك واستخراج ما أثار اهتمامه وجعله يفكر بعمق في موضوع معين ومن أمثلة هذه الأسئلة مثلاً ماذا تتذكر من هذا الأمر؟.

أسئلة الاستعلام والاستيضاح

وفي هذا النوع من الأسئلة يتم تحفيز جميع المشاركين على الدلو بدلوهم في المشكلة والتعبير عن آرائهم وأفكارهم في الأمر المعروض، ومن أمثلة هذه الأسئلة مثلاً ماذا تعلمت من الموضع الفلاني؟ ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لنا؟ أو ما الذي يمكن فعله بصورة مختلفة للخروج من المشكلة؟

مثال عملي لأسلوب العصف الذهني في التفكير

وهنا نعطي مثال عملي بسيط لأسلوب التفكير بالعصف الذهني واقتراح الحلول والاقتراحات الجديدة والتي قد تبدو غريبة أو غير مصدقة بسهولة.

نفترض أنك قمت فجراً بفتح شباك غرفتك فرأيت مدير مدرستك التي توجد أمام بيتك يقوم بفتح باب المدرسة والدخول إليها في هذه الساعة المبكرة، فهذه مشكلة أو موضوع يحتاج إلى تفسير وحل، فمن خلال الاشتراك مع بعض أصدقائك في المدرسة تقوم بتشكيل مجموعة كل واحد فيها يدلي برأيه وتفسيره لهذه الحادثة ، ومن أمثلة هذه التفسيرات مثلاً:

  • أنه جاء في هذا الوقت المبكر لأنه نسي أوراق الامتحانات بغير حفظ وخشي من تسريب الأسئلة فجاء في وقت مبكر لإنقاذ الموقف.
  • أنه جاء بسبب نسيانه لمحفظته الشخصية التي تحتوي على أوراق مهمة أو الفيزا كارت والتي يحتاجها في سحب مال في الصباح الباكر.
  • أنه سيسافر لمحافظة أخرى حيث سيقابل أحد المسؤولين، ولكون بيته السفر بعيد وهو قد احتاج إلى أوراق مهمة فقد جاء في هذا الوقت للحصول على هذه الأوراق والسفر في وقت مبكر ليستطيع الوصول للاجتماع في الوقت المناسب.
  • قد يكون أحد المزعجين قد أبلغ المدير أن المدرسة تتعرض للسرقة فأسرع بالحضور لتفقد الأمر واستبيان الحقيقة.
  • أحد الأفكار قد توضح أن الشخص الذي رأيته ليس هو المدير وأنك لم تستبين شخصيته الحقيقية بسبب ظلمة الليل وقد يكون لص جاء لسرقة المدرسة، وسترعف هذا في حالة أعلنت المدرسة عن فقد بعض المستندات أو الأدوات الهامة.
  • حدثت مشكلة بينه وبين زوجته فلم يستطع البقاء في البيت حتى موعد المدرسة الصباحي وأسرع بالحضور للمدرسة لتمضية الوقت بعيداً عن المنزل.
  • قد يكون ما رأيته حلماً وأنت نائم وأنك لم تفتح الشباك من الأصل ولم ترى المدير وأن كل ما قصصته هو أضغاث أحلام.

فهذه أمثلة على الأفكار المبتكرة والحلول أمام قضية معينة وفيها يظهر تقديم الحلول الغريبة والتي قد تكون مستبعدة إلا أنها تعد أحد التفسيرات المطروحة على الطاولة.